الخميس، 9 أبريل 2009

العالم متخيلا سرديا قراءة في رواية ساقي اليمنى محمد عبد العال

العالم متخيلا سرديا
قراءة في رواية "ساقي اليمنى"
محمد عبدالعال*

ثمة انزياحات أجناسية عدة بين الرواية وبين السيرة الذاتية وبين القصة القصيرة ، فتلك الأجناس الحكائية الثلاثة يجمعهم السردي تحت مظلته ، ويشملهم الحكي كما يشمل غيرهم من الأفعال اللغوية متعددة الأشكال ؛ وتمتاز الرواية – كنوع أدبي مستقل – أولا بالتعدد الحدثي ، وثانيا بامتداد الأحداث على مدار زمني أوسع من القصة ، وثالثا اللغة الواصفة / البانورامية لتفاصيل الحدث الروائي .

والناظر إلى رواية "ساقي اليمنى " يلحظ أولا أنها رواية تمتاز بقصرها النسبي عن نظيراتها ، وكذا بتسارع أحداثها وتمحورها حول شخص واحد / بطل متخيل ، ومجموعة شخصيات مساعدة / ثانوية ، وحول حدث مركزي واحد ( أزمة المرض التي ألمت بالبطل – غير المحدد) يتفرع منه حدثين فرعيين ( قصة الحب مع مها وتعنت الأم – نشر المجموعة القصصية ) ، ومن ثم يمكن لنا أن نزعم بأنها رواية – تبعا للتصنيف الأجناسي – تقف في مكان مراوغ بين الرواية والقصة القصيرة – من ناحية - ، وبين الرواية والسيرة الذاتية – من ناحية أخرى - .

ينتمي "وائل وجدي" إلى مصاف كتاب القصة القصيرة وتعتبر رواية "ساقي اليمنى" أولى أعماله الروائية لذا نلحظ أن التداخل التقني بين القصة القصيرة وبين الرواية أبرز ما يميز الرواية ؛ فهي تمتاز بالتكثيف والتسارع الزمني – وهي سمات مائزة للقصة عن الرواية - ، في حين أنه لا يمكن لنا الزعم بأن ساقي اليمنى سيرة حتى وإن كانت أحداثها وقعت فعلا و مغرقة في الواقعية ، وذلك على عدة جوانب :
1- أنه ليس هناك ما يبرر هذا الزعم منهجيا .
2- ليس هناك ما يشير إلى كونها سيرة ذاتية للمؤلف .
3- ليس هناك ما يشير إلى ثمة تطابق بين الراوي والمؤلف الفعلي .
4- أن أحداثها متمركزة حول فترة زمنية محددة من عمر الراوي ، بينما تمتد أحداث السيرة وزمنها على مدار زمني أكثر اتساعا .
يضع فيليب لوجون تعريفا للسيرة الذاتية فيقول أنها " حكي استعادي نثري ، يقوم به شخص واقعي ، عن وجوده ، وذلك عندما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة "
(1) ، ويرصد في هذا التعريف عناصر أربعة :
1- شكل اللغة ( حكائي نثري ) .
2- الموضوع المطروق : حياة فردية وتاريخ شخصية متحددة واقعيا .
3- وضعية المؤلف المتطابقة مع السارد
4- وضعية السارد المتطابقة مع الشخصية الرئيسية .

ويهمنا في سياق الحديث عن رواية "ساقي اليمنى" التطابق بين الداخلي ( الأحداث ) ، وبين الخارجي ( السياق ) ، فقد أشار لوجون إلى تطابق المؤلف الفعلي والشخصية البطل ، وتطابق السارد مع الشخصية البطل ، في حين لم يشر إلى التطابق بين المحكي ( السيرة ) والحياة الفعلية ، ويبدو أنه استثناه إذ لا دليل عليه سوى زعم المؤلف.
وبهذا نؤكد على أن ما يجعل السيرة سيرة هو الزعم بالتطابق بين المؤلف الفعلي وبين السارد ، والزعم أيضا بالتطابق بين السارد والشخصية البطل ، وهذا يلفتنا أن التطابقين السابقين غير موجودين برواية "ساقي اليمنى" ، إذ لا زعم بذلك ، ولا دليل عليه ، فثمة مسافة تفصل بين المؤلف الفعلي ، وبين الفاعل السردي ( تلك الشخصية الورقية ) .
ولعل الإشارة إلى نشر المجموعة القصصية (نهار الحلم ) ، واحتلالها أحد أحداث الرواية ، وكذا تناص الراوي مع المؤلف الفعلي هو ما أحدث اللبس في كون الرواية سيرة .

إن الأجناس السردية بصفة عامة ، تتميز بأنها توهم بواقعية الحدث ، ذلك أن اللغة متورطة في وظيفتها التداولية الاجتماعية فقط دون التجاوز إلى مستويات أخرى من استخدام اللغة ، فالإبداع فيها لا يقع على اللغة بقدر ما يقع على العالم – بوصفه مجموعة من الأحداث - ، ليتم تصنيف هذا العالم ، وتفكيك بنيته المنتظمة طبيعيا – زمانا ومكانا وشخوصا - ، لتكوين بنية عالم خاص بالرواية / بنية ثقافية .
يمكن تمييز الرواية – كجنس أدبي – عن غيرها من الأجناس الأدبية باعتبارها الجنس الأكثر اتكاءا على المعلومة لصياغة الشكل ، وبهذا نكون إزاء عدد من المسلمات:
· للغة السردية في الرواية تؤدي دورها الطبيعي الأدائي .
· الشكل الروائي شكل محتوى وليس فنيا خالصا كما هو الحال مع الشعر .
· تلعب المعلومة دورها البارز في صياغة الشكل الفني من رواية لأخرى .
وبذا يمكن اقتراح مفهوم للنص خاصا بالرواية يراعى فيه ما يلي :
· ألا يحصر لغة النص / علاماته في اللغة .
· أن يراعي العلاقة الموجودة بالضرورة بين داخل النص وخارجه .

ولعل هذا التأكيد على المقام التواصلي للرواية كجنس أدبي ما يربط خارج النص بداخله ، وكذلك القصد الاتصالي القائم بين المرسل والمتلقي ، والمستند بالضرورة على المعلومة في مفهومها الأكثر سعة بوصفها " طائفة من الحقائق تكتسب عن طريق الاستقصاء أو الخبرة أو المران ، وهي كم – فقط – فهي لا تعيّن المحتوى أو الفائدة أو القيمة أو الصدق أو المركز الفعلي أو التاريخ أو الغرض"
(2) ، وهي إما رقمية كتلك التي تدخل في برمجيات الحاسوب ، أو كيفية بمعنى أنها تكون مادة لغوية حية وصفا وسردا ومشاهدة.
إن الرواية في زعمنا جنس أدبي جوهره الاتصال بين الذات المرسلة والذات المستقبلة / الممثلة للمجتمع ، ويرتكز بعنف على الموضوع باعتباره كمية معلوماتية تتمع بتماسك وانسجام يشكلان بنية للنص ، ودور اللغة لا يخرج عن كونه أدائيا طالما لم يحدث تناص أجناسي ؛ ويمكن لنا أن نجمل التعريف في عناصر ( الجوهر الاتصالي – مركزية الموضوع – أداتية اللغة – إمكانية التناص الجنسي ) .
يشكل الجوهر الاتصالي فضاءا لحتمية حضور الذات في أي رؤية منهجية لتحليل النص ، إذ " يجد المرء في أي مسار تواصلي ، باثا ورسالة ومرسلا إليه ، وغالبا ما يتجلى الباث والمرسل إليه نحويا عبر الرسالة ، لكن حين ينظر إلى النص باعتباره كذلك ، يكون المرسل والمرسل إليه حاضرين في النص ، ليس باعتبارهما فعل التلفظ فحسب ، بل منظورا إليهما على أنهما دوران فاعليان من أدوار التلفظ ، وعلى هذا النحو يتبدى المؤلف محض استراتيجية "
(3) تأويلية يعول عليها القارئ لينمذج الذات ، وبالتالي نفيها تحت مظلة من التجريدات الذهنية ، تغلق النص على أبنيته الشكلية .
وهو ما يتجسد في رواية "ساقي اليمنى" ؛ فنجد اللغة فقط تؤدي وظيفتها التداولية ، لذا يمكن لنا الزعم أن الرواية تقع في مرحلة وسطى بين الأدبي والمجتمعي ، من خلال تراتب الأحداث ، والاستخدام اللغوي ، فهي تتعرض من خلال الحدث المركزي إلى واقعتين اجتماعيتين يتعرض لهما كافة أفراد المجتمع ( المرض ) و ( الزواج ) ، وتبرز من خلال تفريعاتها الحدثية إلى آفات المجتمع الذي تعيش فيه أحداث الرواية ( التشخيص الخاطئ – التجهيزات المتواضعة – التعنت الأسري في تجهيزات الزواج ) ، وهي آفات تودي بحياة المجتمع وتشكل فضاءا من غبار الوجع في حياة هذا المجتمع ، بينما يتصدى الحدث الفرعي ( نشر المجموعة القصصية ) إلى قضية اجتماعية نخبوية – نسبيا - ، وإن كانت تشكل أصداءا للفساد الذي اعتور المجتمع حتى في مؤسساته الثقافية .

إننا إزاء مرسلة لغوية ( نص روائي ) يمتاز بخصائص شكلانية تميزه عن غيره من الرسائل الأخرى يحمل مجموعة من العلامات المتوزعة بين العلامات الشكلية ( الجنس الأدبي ) ، والعلامات الاجتماعية التي تشكل فيما بينها سياقا لتلقي المرسلة لتربط بين الفردي ( إبداع المرسل ) وبين المتلقي ( أفراد المجتمع ) .

يمكن لنا تصور الرواية على نموذج جاكوبسون الاتصالي - بوصفها جنسا أدبيا حاملا للمعلومة الاجتماعية ، بدءا من العنوان "ساقي اليمنى" الذي مهما بلغت أدبية صياغته فهو حامل لمعلومة بشكل يجعله بمثابة مرجعية لازمة لموضوع السرد المركزي (المرض ) ، فهو واقع في سياق مكاني يضم عددا من الوحدات العلاماتية كالغلاف واسم المؤلف ، وهو بهذا يتصدى لوظيفتين روائيتين
أولا : الإحالة إلى الداخل ( عالم الرواية )
ثانيا: الإحالة إلى الخارج ( الوظيفة التداولية للرواية)

هذا النص قائم على جوهر اتصالي بين أفراد المجتمع ، تجسد أحداثه ( المرض – الزواج ) قضايا اجتماعية مشتركة ؛ قائم أيضا على المعلومة المتوزعة بين ما هو (معلوماتي نصي / متخيل ) له سياقه الروائي وتتوزع مصادره بين الراوي والشخصيات ، وبين ما هو ( فعلي / واقعي ) مصدره الوحيد المؤلف الفعلي ، وهو ما يحيل بشكل تلقائي على العالم الواقعي ( خارج الرواية ) ، ولا يمكن لنا أن نتغاضى عن حقيقة مؤداها أن العالم الروائي عالم متخيل حتى وإن كانت أحداثه واقعية ومغرقة في وصف الواقع ، فإن فعل الكتابة وحده ينقل واقعية هذا العالم إلى إطار المتخيل ، وهذا ما تجسده رواية "ساقي اليمنى" .

* ناقد مصري – معيد بكلية الآداب جامعة المنوفية .
(1) فيليب لوجون : السيرة الذاتية – ت : عمر حلي – المركز الثقافي العربي – الدار البيضا – ط1 0 1994 – ص 22
(2) د. كمال دسوقي : ذخيرة علوم النفس – الدار الدولية – القاهرة 1988 – المجلد الأول – ص 702
(3) امبرتو ايكو / القارئ في الحكاية – ت : أنطوان أبوزيد – المركز الثقافي العربي – الدار البيضا – ط1 – 1996 – ص77

ليست هناك تعليقات: