الخميس، 9 أبريل 2009

ساقي اليمنى.. السير على خطى الرواية حسام محمد دياب

ساقي اليمنى.. السير على خطى الرواية!
حسام محمد دياب
كانت مفاجأة سارة -لكاتب هذه السطور- أن تصدر الرواية الأولى للكاتب "وائل وجدي": (ساقي اليمنى) في صيف 2008 عن (دار شرقيات)، والكاتب قاصٌ تتواجد أعماله على الإنترنت بشكل مزمن، وتستمد قصصه حرفيتها من قدرته على الالتزام بمعايير السرد القصصي وعلى رأسها تكثيف عبارات النص، لذلك التهمت روايته القصيرة بشغف بحثاً عن الجديد الذي يقدمه، بعد أن ظل في رحاب القصة لمدة عشرين عاماً تقريباً!
الساق اليمنى:أول ما يعجبك في الكتاب هو التصميم الجيد لأحد لوحات الرسام الشهير "فرانسيس بيكون" وهي التي تبدو متضافرة مع العنوان لتنقل لك ذات الإيحاء الذي ورد لك من اسم الرواية..تشعر في الرواية أن بطلها يكاد يكون الكاتب نفسه، ربما نقل لك هذا الإحساس أسلوبُ الراوي بصيغة الأنا، أو ربما أهمية فعل الكتابة التي نجدها عند بطل الرواية، لكن إحساسك سينقلب إلى يقين بأن البطل هو أحد انعكاسات الشخصية الحقيقية للكاتب، عندما يورد في الرواية معاناة البطل في تجهيز وطباعة أحد مجموعاته القصصية وهي صادرة عن اتحاد كتاب مصر بعنوان (نهار الحلم)، علماً بأن الكاتب صدرت له مجموعة قصصية منذ سنتين بنفس العنوان وعن طريق الناشر نفسه!
عبر مدونته، يرفض "وائل وجدي" أن توصم الرواية بالسيرة الذاتية أو السيرة الروائية، ويضيف أنه قد مزج واقعه وأحاسيسه بخيالاته وأفكاره أي أن روايته تجمع ما بين الخاص والعام.
أياً ما كانت تفسيرات القارئ فهذا الأمر لن يوقفنا طويلاً، إن بداية القصة بدأت بوجع مزمن لدى البطل في الساق اليمنى تحوّل إلى ألم مبرح يجعله غير قادر على النوم أو المشي أو ممارسة الأنشطة الطبيعية، يصفه: "لم يكن ألماً، إنما مغصاً لا يُحتمل في أعلى الساق اليمنى". وبعد التحاليل والأشعة اكتشف وجود ورم ليمفاوي في الساق، وهنا وعلى مدار الرواية يصف الكاتب المعاناة الحقيقية في أروقة المستشفيات وعيادات الأطباء وغرف العلاج ومعامل التحاليل ووحدات الأشعة والمناظير، دوّامة من الإرهاق والتعب، ينقلها لنا سرد محايد يجعلك تقرأ الأحداث كأنها حقائق، وإذا ما ترسخ في ذهنك أن معاناة البطل حقيقية حدثت -أو قابلة للحدوث- على أرض الواقع بالفعل؛ فإن هذا يجعلك متعاطفاً كلياً معه في محنة مرضه، بل تراودك خيالات أن تكون مكانه وأن تمشي بعكاز متنقلاً بين عملك ومنزلك وجولات الفحص والعلاج التي لا تنتهي..
ويتوازى هذا الألم مع ألم آخر في حياة البطل، "مها" حبيبته وخطيبته التي عادت إليه لتسانده في محنته المرضية بعد انقطاع بينهما دام شهوراً، "مها" بسمة الأمل الوحيدة في حياته، والتي تصر تعنتات أمها السخيفة على حرمانه منها. هذه المجادلات التي لا تكاد تنتهي حول الموبيليا والفرش وعقد القران تستنزفه روحياً، أن بطلنا – مجهول الاسم – يبدو انطوائياً من الناحية الاجتماعية، لا يحب كثرة المخالطات مع البشر، فما بالك وقد اضطر أن يخوض معمعة الزواج وحيداً؟
هناك الخط الثالث في الرواية والذي يتلازم مع أوجاع البطل البدنية والنفسية، ألا وهو اقتراب صدور مجموعته القصصية الجديدة التي يصفها بقوله: "أتمنى أن أراها منشورة، كل حرف معجون بروحي ونفسي". لقد أشرف على جميع مراحل تنفيذها ومراجعة البروفة النهائية بل واختيار صورة الغلاف وتصميمه. وتكاد تشعر أن قصص البطل هي رمز الحياة بالنسبة إليه، المعادل المضاد للمرض وللأوجاع. ثنايا إبداعه جعلته يسمو فوق الحزن، فوق الأطباء، فوق آلام ساقه اليمنى..
السرد قصصي لا روائي:صدرت الرواية وهي معجونة بقالب القصة القصيرة، تكاد تشعر أن العمل لا يعدو قصة قصيرة لكن الكاتب أفرد المساحة الورقية الكافية كي يتشبث بأستار الرواية. طبيعة السرد، تركيب الجملة داخل النص يشير بوضوح إلى أنها جملة قصصية لا روائية، تلك الجملة التي تتميز بالتكثيف والاختزال والانتقال من معنى محدد إلى آخر، وعدم الإطناب أو إطلاق الجملة من عقالها كي تتسع لاحتضان الوصف الروائي السليم، مثال ذلك تلك الفقرة:
" ركبتُ سيارتي، الهم يملأ جوانحي.. أشعر بحزن مفاجئ، حنين إلى أمي.. كم أفتقدها، ملت إلى "المحور"، سلكتُ طريق مدينة السادس من أكتوبر لأذهب إلى قبر أمي. وصلتُ بعد ساعة ونصف، نزلت على بعد خطوات قليلة، أخذتُ المصحف من حقيبتي، فتحت الباب الحديدي للمدفن، قرأت الفاتحة، جلست على المصطبة الـخـرســانـيـة أقرأ سور: يس، الرحمن، الواقعة. دعوتُ لها. انسابت الدموع من عيني..".طريقة السرد المكثفة التي نرى بيتها الآمن هو القصة القصيرة، تكشف أنه من الواضح تأثر أسلوب "وائل وجدي" بلا شك بالتجارب والنتاج القصصي لمسيرته الأدبية، وقد اعترفت الروائية العظيمة "إيزابيل أليندي" في السابق أنها عاجزة عن كتابة القصة القصيرة وأنها تعجب كيف يمكن أن يكتب المرء فكرته في بضع صفحات! وكاتب هذه السطور يعتقد أن العكس صحيح أيضاً، فكاتب القصة القصيرة لا يمكن أن يتحول من المرة الأولى إلى كاتب روائي، الأمر بحاجة إلى ممارسة لهذا الجنس الأدبي والاعتياد على خصائصه.
ولعل أبرز ما يشير إلى البصمات القصصية على الرواية: النهاية في حد ذاتها، وليس المقصود بهذا الإشارة إلى أنها مفتوحة أمام تفسيرات القارئ، بل صياغة النهاية نفسها تجعلك تشعر بجو القصة، ذلك الحرص على ترك أكثر الانطباعات تأثيراً في نفس القارئ، فالقصة نظراً لصغر حجمها قد لا يعلق بذهن القارئ شخصياتها أو أحداثها، وهنا يعمد القاصّ إلى حشد كل أدواته من أجل أن يترك أكثر اللحظات التأثيرية في النهاية، وهكذا يظل القارئ محتفظاً بأثر القصة.
لكن "وائل وجدي" لم ينظر في نهاية روايته إلى طبيعة الجنس الروائي نفسه والذي يركز على الشخوص الدرامية ومصائرها في سبل الحياة، أي التركيز على ما تركه الحدث أو الصراع الدرامي من آثار نفسية أو مادية على تلك الشخصيات. القصة القصيرة هي التي تملك الحق في التحايل على ذلك، فقد نجد قصة تتناول لقطة في الحياة أو تصف حدثاً لا يتجاوز عمره الزمني دقائق معدودة. وقد منحتني رواية (ساقي اليمنى) إحساساً بأني أقرأ قصة قصيرة طالت صفحاتها بعض الشيء، لكن لم أشعر فيها بجو الرواية..
لكن أجمل ما في الأمر هو المحاولة، لا سيما أن الإبداع لا يعرف جنساً أدبياً بعينه دون آخر، المبدع الحقيقي قادر على الانطلاق في فضاءات إبداعه كي ينجح في نقل شذراته إلى الورق، والكاتب "وائل وجدي" مبدع أصيل بلا شك، وفكرة (ساقي اليمنى) نفسها تشف عن روح حساسة، فالألم الحقيقي لا يتمثل في البدن، بل في إلحاح الذهن المتواصل إلى التعبير عن ذاته بالكلمة، وتوق الإنسان إلى حب نبيل يرفعه من وعثاء أرضنا إلى سماء أخرى أشد زرقة من سمائنا...
اسم المؤلف
"وائل وجدي"
اسم الكتاب
ساقي اليمنى
الناشر
دار شرقيات
رقم الطبعة
الأولى
سنة النشر
2008
عدد الصفحات
64

العالم متخيلا سرديا قراءة في رواية ساقي اليمنى محمد عبد العال

العالم متخيلا سرديا
قراءة في رواية "ساقي اليمنى"
محمد عبدالعال*

ثمة انزياحات أجناسية عدة بين الرواية وبين السيرة الذاتية وبين القصة القصيرة ، فتلك الأجناس الحكائية الثلاثة يجمعهم السردي تحت مظلته ، ويشملهم الحكي كما يشمل غيرهم من الأفعال اللغوية متعددة الأشكال ؛ وتمتاز الرواية – كنوع أدبي مستقل – أولا بالتعدد الحدثي ، وثانيا بامتداد الأحداث على مدار زمني أوسع من القصة ، وثالثا اللغة الواصفة / البانورامية لتفاصيل الحدث الروائي .

والناظر إلى رواية "ساقي اليمنى " يلحظ أولا أنها رواية تمتاز بقصرها النسبي عن نظيراتها ، وكذا بتسارع أحداثها وتمحورها حول شخص واحد / بطل متخيل ، ومجموعة شخصيات مساعدة / ثانوية ، وحول حدث مركزي واحد ( أزمة المرض التي ألمت بالبطل – غير المحدد) يتفرع منه حدثين فرعيين ( قصة الحب مع مها وتعنت الأم – نشر المجموعة القصصية ) ، ومن ثم يمكن لنا أن نزعم بأنها رواية – تبعا للتصنيف الأجناسي – تقف في مكان مراوغ بين الرواية والقصة القصيرة – من ناحية - ، وبين الرواية والسيرة الذاتية – من ناحية أخرى - .

ينتمي "وائل وجدي" إلى مصاف كتاب القصة القصيرة وتعتبر رواية "ساقي اليمنى" أولى أعماله الروائية لذا نلحظ أن التداخل التقني بين القصة القصيرة وبين الرواية أبرز ما يميز الرواية ؛ فهي تمتاز بالتكثيف والتسارع الزمني – وهي سمات مائزة للقصة عن الرواية - ، في حين أنه لا يمكن لنا الزعم بأن ساقي اليمنى سيرة حتى وإن كانت أحداثها وقعت فعلا و مغرقة في الواقعية ، وذلك على عدة جوانب :
1- أنه ليس هناك ما يبرر هذا الزعم منهجيا .
2- ليس هناك ما يشير إلى كونها سيرة ذاتية للمؤلف .
3- ليس هناك ما يشير إلى ثمة تطابق بين الراوي والمؤلف الفعلي .
4- أن أحداثها متمركزة حول فترة زمنية محددة من عمر الراوي ، بينما تمتد أحداث السيرة وزمنها على مدار زمني أكثر اتساعا .
يضع فيليب لوجون تعريفا للسيرة الذاتية فيقول أنها " حكي استعادي نثري ، يقوم به شخص واقعي ، عن وجوده ، وذلك عندما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة "
(1) ، ويرصد في هذا التعريف عناصر أربعة :
1- شكل اللغة ( حكائي نثري ) .
2- الموضوع المطروق : حياة فردية وتاريخ شخصية متحددة واقعيا .
3- وضعية المؤلف المتطابقة مع السارد
4- وضعية السارد المتطابقة مع الشخصية الرئيسية .

ويهمنا في سياق الحديث عن رواية "ساقي اليمنى" التطابق بين الداخلي ( الأحداث ) ، وبين الخارجي ( السياق ) ، فقد أشار لوجون إلى تطابق المؤلف الفعلي والشخصية البطل ، وتطابق السارد مع الشخصية البطل ، في حين لم يشر إلى التطابق بين المحكي ( السيرة ) والحياة الفعلية ، ويبدو أنه استثناه إذ لا دليل عليه سوى زعم المؤلف.
وبهذا نؤكد على أن ما يجعل السيرة سيرة هو الزعم بالتطابق بين المؤلف الفعلي وبين السارد ، والزعم أيضا بالتطابق بين السارد والشخصية البطل ، وهذا يلفتنا أن التطابقين السابقين غير موجودين برواية "ساقي اليمنى" ، إذ لا زعم بذلك ، ولا دليل عليه ، فثمة مسافة تفصل بين المؤلف الفعلي ، وبين الفاعل السردي ( تلك الشخصية الورقية ) .
ولعل الإشارة إلى نشر المجموعة القصصية (نهار الحلم ) ، واحتلالها أحد أحداث الرواية ، وكذا تناص الراوي مع المؤلف الفعلي هو ما أحدث اللبس في كون الرواية سيرة .

إن الأجناس السردية بصفة عامة ، تتميز بأنها توهم بواقعية الحدث ، ذلك أن اللغة متورطة في وظيفتها التداولية الاجتماعية فقط دون التجاوز إلى مستويات أخرى من استخدام اللغة ، فالإبداع فيها لا يقع على اللغة بقدر ما يقع على العالم – بوصفه مجموعة من الأحداث - ، ليتم تصنيف هذا العالم ، وتفكيك بنيته المنتظمة طبيعيا – زمانا ومكانا وشخوصا - ، لتكوين بنية عالم خاص بالرواية / بنية ثقافية .
يمكن تمييز الرواية – كجنس أدبي – عن غيرها من الأجناس الأدبية باعتبارها الجنس الأكثر اتكاءا على المعلومة لصياغة الشكل ، وبهذا نكون إزاء عدد من المسلمات:
· للغة السردية في الرواية تؤدي دورها الطبيعي الأدائي .
· الشكل الروائي شكل محتوى وليس فنيا خالصا كما هو الحال مع الشعر .
· تلعب المعلومة دورها البارز في صياغة الشكل الفني من رواية لأخرى .
وبذا يمكن اقتراح مفهوم للنص خاصا بالرواية يراعى فيه ما يلي :
· ألا يحصر لغة النص / علاماته في اللغة .
· أن يراعي العلاقة الموجودة بالضرورة بين داخل النص وخارجه .

ولعل هذا التأكيد على المقام التواصلي للرواية كجنس أدبي ما يربط خارج النص بداخله ، وكذلك القصد الاتصالي القائم بين المرسل والمتلقي ، والمستند بالضرورة على المعلومة في مفهومها الأكثر سعة بوصفها " طائفة من الحقائق تكتسب عن طريق الاستقصاء أو الخبرة أو المران ، وهي كم – فقط – فهي لا تعيّن المحتوى أو الفائدة أو القيمة أو الصدق أو المركز الفعلي أو التاريخ أو الغرض"
(2) ، وهي إما رقمية كتلك التي تدخل في برمجيات الحاسوب ، أو كيفية بمعنى أنها تكون مادة لغوية حية وصفا وسردا ومشاهدة.
إن الرواية في زعمنا جنس أدبي جوهره الاتصال بين الذات المرسلة والذات المستقبلة / الممثلة للمجتمع ، ويرتكز بعنف على الموضوع باعتباره كمية معلوماتية تتمع بتماسك وانسجام يشكلان بنية للنص ، ودور اللغة لا يخرج عن كونه أدائيا طالما لم يحدث تناص أجناسي ؛ ويمكن لنا أن نجمل التعريف في عناصر ( الجوهر الاتصالي – مركزية الموضوع – أداتية اللغة – إمكانية التناص الجنسي ) .
يشكل الجوهر الاتصالي فضاءا لحتمية حضور الذات في أي رؤية منهجية لتحليل النص ، إذ " يجد المرء في أي مسار تواصلي ، باثا ورسالة ومرسلا إليه ، وغالبا ما يتجلى الباث والمرسل إليه نحويا عبر الرسالة ، لكن حين ينظر إلى النص باعتباره كذلك ، يكون المرسل والمرسل إليه حاضرين في النص ، ليس باعتبارهما فعل التلفظ فحسب ، بل منظورا إليهما على أنهما دوران فاعليان من أدوار التلفظ ، وعلى هذا النحو يتبدى المؤلف محض استراتيجية "
(3) تأويلية يعول عليها القارئ لينمذج الذات ، وبالتالي نفيها تحت مظلة من التجريدات الذهنية ، تغلق النص على أبنيته الشكلية .
وهو ما يتجسد في رواية "ساقي اليمنى" ؛ فنجد اللغة فقط تؤدي وظيفتها التداولية ، لذا يمكن لنا الزعم أن الرواية تقع في مرحلة وسطى بين الأدبي والمجتمعي ، من خلال تراتب الأحداث ، والاستخدام اللغوي ، فهي تتعرض من خلال الحدث المركزي إلى واقعتين اجتماعيتين يتعرض لهما كافة أفراد المجتمع ( المرض ) و ( الزواج ) ، وتبرز من خلال تفريعاتها الحدثية إلى آفات المجتمع الذي تعيش فيه أحداث الرواية ( التشخيص الخاطئ – التجهيزات المتواضعة – التعنت الأسري في تجهيزات الزواج ) ، وهي آفات تودي بحياة المجتمع وتشكل فضاءا من غبار الوجع في حياة هذا المجتمع ، بينما يتصدى الحدث الفرعي ( نشر المجموعة القصصية ) إلى قضية اجتماعية نخبوية – نسبيا - ، وإن كانت تشكل أصداءا للفساد الذي اعتور المجتمع حتى في مؤسساته الثقافية .

إننا إزاء مرسلة لغوية ( نص روائي ) يمتاز بخصائص شكلانية تميزه عن غيره من الرسائل الأخرى يحمل مجموعة من العلامات المتوزعة بين العلامات الشكلية ( الجنس الأدبي ) ، والعلامات الاجتماعية التي تشكل فيما بينها سياقا لتلقي المرسلة لتربط بين الفردي ( إبداع المرسل ) وبين المتلقي ( أفراد المجتمع ) .

يمكن لنا تصور الرواية على نموذج جاكوبسون الاتصالي - بوصفها جنسا أدبيا حاملا للمعلومة الاجتماعية ، بدءا من العنوان "ساقي اليمنى" الذي مهما بلغت أدبية صياغته فهو حامل لمعلومة بشكل يجعله بمثابة مرجعية لازمة لموضوع السرد المركزي (المرض ) ، فهو واقع في سياق مكاني يضم عددا من الوحدات العلاماتية كالغلاف واسم المؤلف ، وهو بهذا يتصدى لوظيفتين روائيتين
أولا : الإحالة إلى الداخل ( عالم الرواية )
ثانيا: الإحالة إلى الخارج ( الوظيفة التداولية للرواية)

هذا النص قائم على جوهر اتصالي بين أفراد المجتمع ، تجسد أحداثه ( المرض – الزواج ) قضايا اجتماعية مشتركة ؛ قائم أيضا على المعلومة المتوزعة بين ما هو (معلوماتي نصي / متخيل ) له سياقه الروائي وتتوزع مصادره بين الراوي والشخصيات ، وبين ما هو ( فعلي / واقعي ) مصدره الوحيد المؤلف الفعلي ، وهو ما يحيل بشكل تلقائي على العالم الواقعي ( خارج الرواية ) ، ولا يمكن لنا أن نتغاضى عن حقيقة مؤداها أن العالم الروائي عالم متخيل حتى وإن كانت أحداثه واقعية ومغرقة في وصف الواقع ، فإن فعل الكتابة وحده ينقل واقعية هذا العالم إلى إطار المتخيل ، وهذا ما تجسده رواية "ساقي اليمنى" .

* ناقد مصري – معيد بكلية الآداب جامعة المنوفية .
(1) فيليب لوجون : السيرة الذاتية – ت : عمر حلي – المركز الثقافي العربي – الدار البيضا – ط1 0 1994 – ص 22
(2) د. كمال دسوقي : ذخيرة علوم النفس – الدار الدولية – القاهرة 1988 – المجلد الأول – ص 702
(3) امبرتو ايكو / القارئ في الحكاية – ت : أنطوان أبوزيد – المركز الثقافي العربي – الدار البيضا – ط1 – 1996 – ص77