ساقي اليمنى.. السير على خطى الرواية!
حسام محمد دياب
كانت مفاجأة سارة -لكاتب هذه السطور- أن تصدر الرواية الأولى للكاتب "وائل وجدي": (ساقي اليمنى) في صيف 2008 عن (دار شرقيات)، والكاتب قاصٌ تتواجد أعماله على الإنترنت بشكل مزمن، وتستمد قصصه حرفيتها من قدرته على الالتزام بمعايير السرد القصصي وعلى رأسها تكثيف عبارات النص، لذلك التهمت روايته القصيرة بشغف بحثاً عن الجديد الذي يقدمه، بعد أن ظل في رحاب القصة لمدة عشرين عاماً تقريباً!
الساق اليمنى:أول ما يعجبك في الكتاب هو التصميم الجيد لأحد لوحات الرسام الشهير "فرانسيس بيكون" وهي التي تبدو متضافرة مع العنوان لتنقل لك ذات الإيحاء الذي ورد لك من اسم الرواية..تشعر في الرواية أن بطلها يكاد يكون الكاتب نفسه، ربما نقل لك هذا الإحساس أسلوبُ الراوي بصيغة الأنا، أو ربما أهمية فعل الكتابة التي نجدها عند بطل الرواية، لكن إحساسك سينقلب إلى يقين بأن البطل هو أحد انعكاسات الشخصية الحقيقية للكاتب، عندما يورد في الرواية معاناة البطل في تجهيز وطباعة أحد مجموعاته القصصية وهي صادرة عن اتحاد كتاب مصر بعنوان (نهار الحلم)، علماً بأن الكاتب صدرت له مجموعة قصصية منذ سنتين بنفس العنوان وعن طريق الناشر نفسه!
عبر مدونته، يرفض "وائل وجدي" أن توصم الرواية بالسيرة الذاتية أو السيرة الروائية، ويضيف أنه قد مزج واقعه وأحاسيسه بخيالاته وأفكاره أي أن روايته تجمع ما بين الخاص والعام.
أياً ما كانت تفسيرات القارئ فهذا الأمر لن يوقفنا طويلاً، إن بداية القصة بدأت بوجع مزمن لدى البطل في الساق اليمنى تحوّل إلى ألم مبرح يجعله غير قادر على النوم أو المشي أو ممارسة الأنشطة الطبيعية، يصفه: "لم يكن ألماً، إنما مغصاً لا يُحتمل في أعلى الساق اليمنى". وبعد التحاليل والأشعة اكتشف وجود ورم ليمفاوي في الساق، وهنا وعلى مدار الرواية يصف الكاتب المعاناة الحقيقية في أروقة المستشفيات وعيادات الأطباء وغرف العلاج ومعامل التحاليل ووحدات الأشعة والمناظير، دوّامة من الإرهاق والتعب، ينقلها لنا سرد محايد يجعلك تقرأ الأحداث كأنها حقائق، وإذا ما ترسخ في ذهنك أن معاناة البطل حقيقية حدثت -أو قابلة للحدوث- على أرض الواقع بالفعل؛ فإن هذا يجعلك متعاطفاً كلياً معه في محنة مرضه، بل تراودك خيالات أن تكون مكانه وأن تمشي بعكاز متنقلاً بين عملك ومنزلك وجولات الفحص والعلاج التي لا تنتهي..
ويتوازى هذا الألم مع ألم آخر في حياة البطل، "مها" حبيبته وخطيبته التي عادت إليه لتسانده في محنته المرضية بعد انقطاع بينهما دام شهوراً، "مها" بسمة الأمل الوحيدة في حياته، والتي تصر تعنتات أمها السخيفة على حرمانه منها. هذه المجادلات التي لا تكاد تنتهي حول الموبيليا والفرش وعقد القران تستنزفه روحياً، أن بطلنا – مجهول الاسم – يبدو انطوائياً من الناحية الاجتماعية، لا يحب كثرة المخالطات مع البشر، فما بالك وقد اضطر أن يخوض معمعة الزواج وحيداً؟
هناك الخط الثالث في الرواية والذي يتلازم مع أوجاع البطل البدنية والنفسية، ألا وهو اقتراب صدور مجموعته القصصية الجديدة التي يصفها بقوله: "أتمنى أن أراها منشورة، كل حرف معجون بروحي ونفسي". لقد أشرف على جميع مراحل تنفيذها ومراجعة البروفة النهائية بل واختيار صورة الغلاف وتصميمه. وتكاد تشعر أن قصص البطل هي رمز الحياة بالنسبة إليه، المعادل المضاد للمرض وللأوجاع. ثنايا إبداعه جعلته يسمو فوق الحزن، فوق الأطباء، فوق آلام ساقه اليمنى..
السرد قصصي لا روائي:صدرت الرواية وهي معجونة بقالب القصة القصيرة، تكاد تشعر أن العمل لا يعدو قصة قصيرة لكن الكاتب أفرد المساحة الورقية الكافية كي يتشبث بأستار الرواية. طبيعة السرد، تركيب الجملة داخل النص يشير بوضوح إلى أنها جملة قصصية لا روائية، تلك الجملة التي تتميز بالتكثيف والاختزال والانتقال من معنى محدد إلى آخر، وعدم الإطناب أو إطلاق الجملة من عقالها كي تتسع لاحتضان الوصف الروائي السليم، مثال ذلك تلك الفقرة:
" ركبتُ سيارتي، الهم يملأ جوانحي.. أشعر بحزن مفاجئ، حنين إلى أمي.. كم أفتقدها، ملت إلى "المحور"، سلكتُ طريق مدينة السادس من أكتوبر لأذهب إلى قبر أمي. وصلتُ بعد ساعة ونصف، نزلت على بعد خطوات قليلة، أخذتُ المصحف من حقيبتي، فتحت الباب الحديدي للمدفن، قرأت الفاتحة، جلست على المصطبة الـخـرســانـيـة أقرأ سور: يس، الرحمن، الواقعة. دعوتُ لها. انسابت الدموع من عيني..".طريقة السرد المكثفة التي نرى بيتها الآمن هو القصة القصيرة، تكشف أنه من الواضح تأثر أسلوب "وائل وجدي" بلا شك بالتجارب والنتاج القصصي لمسيرته الأدبية، وقد اعترفت الروائية العظيمة "إيزابيل أليندي" في السابق أنها عاجزة عن كتابة القصة القصيرة وأنها تعجب كيف يمكن أن يكتب المرء فكرته في بضع صفحات! وكاتب هذه السطور يعتقد أن العكس صحيح أيضاً، فكاتب القصة القصيرة لا يمكن أن يتحول من المرة الأولى إلى كاتب روائي، الأمر بحاجة إلى ممارسة لهذا الجنس الأدبي والاعتياد على خصائصه.
ولعل أبرز ما يشير إلى البصمات القصصية على الرواية: النهاية في حد ذاتها، وليس المقصود بهذا الإشارة إلى أنها مفتوحة أمام تفسيرات القارئ، بل صياغة النهاية نفسها تجعلك تشعر بجو القصة، ذلك الحرص على ترك أكثر الانطباعات تأثيراً في نفس القارئ، فالقصة نظراً لصغر حجمها قد لا يعلق بذهن القارئ شخصياتها أو أحداثها، وهنا يعمد القاصّ إلى حشد كل أدواته من أجل أن يترك أكثر اللحظات التأثيرية في النهاية، وهكذا يظل القارئ محتفظاً بأثر القصة.
لكن "وائل وجدي" لم ينظر في نهاية روايته إلى طبيعة الجنس الروائي نفسه والذي يركز على الشخوص الدرامية ومصائرها في سبل الحياة، أي التركيز على ما تركه الحدث أو الصراع الدرامي من آثار نفسية أو مادية على تلك الشخصيات. القصة القصيرة هي التي تملك الحق في التحايل على ذلك، فقد نجد قصة تتناول لقطة في الحياة أو تصف حدثاً لا يتجاوز عمره الزمني دقائق معدودة. وقد منحتني رواية (ساقي اليمنى) إحساساً بأني أقرأ قصة قصيرة طالت صفحاتها بعض الشيء، لكن لم أشعر فيها بجو الرواية..
لكن أجمل ما في الأمر هو المحاولة، لا سيما أن الإبداع لا يعرف جنساً أدبياً بعينه دون آخر، المبدع الحقيقي قادر على الانطلاق في فضاءات إبداعه كي ينجح في نقل شذراته إلى الورق، والكاتب "وائل وجدي" مبدع أصيل بلا شك، وفكرة (ساقي اليمنى) نفسها تشف عن روح حساسة، فالألم الحقيقي لا يتمثل في البدن، بل في إلحاح الذهن المتواصل إلى التعبير عن ذاته بالكلمة، وتوق الإنسان إلى حب نبيل يرفعه من وعثاء أرضنا إلى سماء أخرى أشد زرقة من سمائنا...
اسم المؤلف
"وائل وجدي"
الساق اليمنى:أول ما يعجبك في الكتاب هو التصميم الجيد لأحد لوحات الرسام الشهير "فرانسيس بيكون" وهي التي تبدو متضافرة مع العنوان لتنقل لك ذات الإيحاء الذي ورد لك من اسم الرواية..تشعر في الرواية أن بطلها يكاد يكون الكاتب نفسه، ربما نقل لك هذا الإحساس أسلوبُ الراوي بصيغة الأنا، أو ربما أهمية فعل الكتابة التي نجدها عند بطل الرواية، لكن إحساسك سينقلب إلى يقين بأن البطل هو أحد انعكاسات الشخصية الحقيقية للكاتب، عندما يورد في الرواية معاناة البطل في تجهيز وطباعة أحد مجموعاته القصصية وهي صادرة عن اتحاد كتاب مصر بعنوان (نهار الحلم)، علماً بأن الكاتب صدرت له مجموعة قصصية منذ سنتين بنفس العنوان وعن طريق الناشر نفسه!
عبر مدونته، يرفض "وائل وجدي" أن توصم الرواية بالسيرة الذاتية أو السيرة الروائية، ويضيف أنه قد مزج واقعه وأحاسيسه بخيالاته وأفكاره أي أن روايته تجمع ما بين الخاص والعام.
أياً ما كانت تفسيرات القارئ فهذا الأمر لن يوقفنا طويلاً، إن بداية القصة بدأت بوجع مزمن لدى البطل في الساق اليمنى تحوّل إلى ألم مبرح يجعله غير قادر على النوم أو المشي أو ممارسة الأنشطة الطبيعية، يصفه: "لم يكن ألماً، إنما مغصاً لا يُحتمل في أعلى الساق اليمنى". وبعد التحاليل والأشعة اكتشف وجود ورم ليمفاوي في الساق، وهنا وعلى مدار الرواية يصف الكاتب المعاناة الحقيقية في أروقة المستشفيات وعيادات الأطباء وغرف العلاج ومعامل التحاليل ووحدات الأشعة والمناظير، دوّامة من الإرهاق والتعب، ينقلها لنا سرد محايد يجعلك تقرأ الأحداث كأنها حقائق، وإذا ما ترسخ في ذهنك أن معاناة البطل حقيقية حدثت -أو قابلة للحدوث- على أرض الواقع بالفعل؛ فإن هذا يجعلك متعاطفاً كلياً معه في محنة مرضه، بل تراودك خيالات أن تكون مكانه وأن تمشي بعكاز متنقلاً بين عملك ومنزلك وجولات الفحص والعلاج التي لا تنتهي..
ويتوازى هذا الألم مع ألم آخر في حياة البطل، "مها" حبيبته وخطيبته التي عادت إليه لتسانده في محنته المرضية بعد انقطاع بينهما دام شهوراً، "مها" بسمة الأمل الوحيدة في حياته، والتي تصر تعنتات أمها السخيفة على حرمانه منها. هذه المجادلات التي لا تكاد تنتهي حول الموبيليا والفرش وعقد القران تستنزفه روحياً، أن بطلنا – مجهول الاسم – يبدو انطوائياً من الناحية الاجتماعية، لا يحب كثرة المخالطات مع البشر، فما بالك وقد اضطر أن يخوض معمعة الزواج وحيداً؟
هناك الخط الثالث في الرواية والذي يتلازم مع أوجاع البطل البدنية والنفسية، ألا وهو اقتراب صدور مجموعته القصصية الجديدة التي يصفها بقوله: "أتمنى أن أراها منشورة، كل حرف معجون بروحي ونفسي". لقد أشرف على جميع مراحل تنفيذها ومراجعة البروفة النهائية بل واختيار صورة الغلاف وتصميمه. وتكاد تشعر أن قصص البطل هي رمز الحياة بالنسبة إليه، المعادل المضاد للمرض وللأوجاع. ثنايا إبداعه جعلته يسمو فوق الحزن، فوق الأطباء، فوق آلام ساقه اليمنى..
السرد قصصي لا روائي:صدرت الرواية وهي معجونة بقالب القصة القصيرة، تكاد تشعر أن العمل لا يعدو قصة قصيرة لكن الكاتب أفرد المساحة الورقية الكافية كي يتشبث بأستار الرواية. طبيعة السرد، تركيب الجملة داخل النص يشير بوضوح إلى أنها جملة قصصية لا روائية، تلك الجملة التي تتميز بالتكثيف والاختزال والانتقال من معنى محدد إلى آخر، وعدم الإطناب أو إطلاق الجملة من عقالها كي تتسع لاحتضان الوصف الروائي السليم، مثال ذلك تلك الفقرة:
" ركبتُ سيارتي، الهم يملأ جوانحي.. أشعر بحزن مفاجئ، حنين إلى أمي.. كم أفتقدها، ملت إلى "المحور"، سلكتُ طريق مدينة السادس من أكتوبر لأذهب إلى قبر أمي. وصلتُ بعد ساعة ونصف، نزلت على بعد خطوات قليلة، أخذتُ المصحف من حقيبتي، فتحت الباب الحديدي للمدفن، قرأت الفاتحة، جلست على المصطبة الـخـرســانـيـة أقرأ سور: يس، الرحمن، الواقعة. دعوتُ لها. انسابت الدموع من عيني..".طريقة السرد المكثفة التي نرى بيتها الآمن هو القصة القصيرة، تكشف أنه من الواضح تأثر أسلوب "وائل وجدي" بلا شك بالتجارب والنتاج القصصي لمسيرته الأدبية، وقد اعترفت الروائية العظيمة "إيزابيل أليندي" في السابق أنها عاجزة عن كتابة القصة القصيرة وأنها تعجب كيف يمكن أن يكتب المرء فكرته في بضع صفحات! وكاتب هذه السطور يعتقد أن العكس صحيح أيضاً، فكاتب القصة القصيرة لا يمكن أن يتحول من المرة الأولى إلى كاتب روائي، الأمر بحاجة إلى ممارسة لهذا الجنس الأدبي والاعتياد على خصائصه.
ولعل أبرز ما يشير إلى البصمات القصصية على الرواية: النهاية في حد ذاتها، وليس المقصود بهذا الإشارة إلى أنها مفتوحة أمام تفسيرات القارئ، بل صياغة النهاية نفسها تجعلك تشعر بجو القصة، ذلك الحرص على ترك أكثر الانطباعات تأثيراً في نفس القارئ، فالقصة نظراً لصغر حجمها قد لا يعلق بذهن القارئ شخصياتها أو أحداثها، وهنا يعمد القاصّ إلى حشد كل أدواته من أجل أن يترك أكثر اللحظات التأثيرية في النهاية، وهكذا يظل القارئ محتفظاً بأثر القصة.
لكن "وائل وجدي" لم ينظر في نهاية روايته إلى طبيعة الجنس الروائي نفسه والذي يركز على الشخوص الدرامية ومصائرها في سبل الحياة، أي التركيز على ما تركه الحدث أو الصراع الدرامي من آثار نفسية أو مادية على تلك الشخصيات. القصة القصيرة هي التي تملك الحق في التحايل على ذلك، فقد نجد قصة تتناول لقطة في الحياة أو تصف حدثاً لا يتجاوز عمره الزمني دقائق معدودة. وقد منحتني رواية (ساقي اليمنى) إحساساً بأني أقرأ قصة قصيرة طالت صفحاتها بعض الشيء، لكن لم أشعر فيها بجو الرواية..
لكن أجمل ما في الأمر هو المحاولة، لا سيما أن الإبداع لا يعرف جنساً أدبياً بعينه دون آخر، المبدع الحقيقي قادر على الانطلاق في فضاءات إبداعه كي ينجح في نقل شذراته إلى الورق، والكاتب "وائل وجدي" مبدع أصيل بلا شك، وفكرة (ساقي اليمنى) نفسها تشف عن روح حساسة، فالألم الحقيقي لا يتمثل في البدن، بل في إلحاح الذهن المتواصل إلى التعبير عن ذاته بالكلمة، وتوق الإنسان إلى حب نبيل يرفعه من وعثاء أرضنا إلى سماء أخرى أشد زرقة من سمائنا...
اسم المؤلف
"وائل وجدي"
اسم الكتاب
ساقي اليمنى
الناشر
دار شرقيات
رقم الطبعة
الأولى
سنة النشر
2008
عدد الصفحات
64
ساقي اليمنى
الناشر
دار شرقيات
رقم الطبعة
الأولى
سنة النشر
2008
عدد الصفحات
64
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق